المصالحة بأفغانستان.. خيار أم ضرورة؟
8 أكتوبر 2010
تدخل الحرب بأفغانستان سنتها العاشرة، دون أن تجد الإدارة الأميركية أمامها حصيلة تذكر، وأكثر المتفائلين داخلها وصفها بالبسيطة والهزيلة. الإدارة المذكورة وجدت نفسها متورطة في مستنقع وحرب لم تعد تحظى بشعبية داخل أميركا، لكُلفتها المالية والبشرية الباهظة، خاصة مع بلوغ مستوى القتلى في صفوف القوات الأجنبية حدا قياسيا هذه السنة بشكل غير مسبوق (حوالي 570 جندي غالبيتهم من الأميركيين).
كما أن زيادة عدد الجنود الأميركيين (30 ألف جندي) وفق استراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما الجديدة بأفغانستان لم تفلح في إحداث التغير ولا التحسن المطلوب في الوضع، بالإضافة إلى صعوبة نجاح وربما استحالة نجاح تجربة قائد القوات الدولية والأميركية الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس (الصحوات) التي عمل بها بالعراق في أفغانستان لوجود فروق كبيرة بين الوضعين العراقي والأفغاني سواء في التركيبة القبلية أو العقليات.
كل هذه المعطيات جعلت الإدارة الأميركية توافق على التفاوض مع «طالبان» بطريقة غير مباشرة، دون أن تترجم هذه الموافقة لقرار صريح وتم الاكتفاء بإعلان دعم خطوات الرئيس الأفغاني حامد كرزاي وحكومته في السعي لتحقيق مصالحة، وذلك مخافة رد فعل معارض من جهات سياسية أميركية.
لكن ما هو واضح أن هناك قناعة متنامية داخل الإدارة الأميركية بأن الحرب وحدها لن تحسم المعركة في أفغانستان، وخلصوا إلى أن ثمة محاور أخرى كان ينبغي أن يحصل فيها نجاح سواء تعلق الأمر بالجانب التنموي الاقتصادي وخلق بنية تحتية، أو الجانب الاجتماعي أو الإدراي من خلال محاربة الفساد وضعف الإدارة، لأنه سيساهم في ما يسميه البعض بمعركة موازية لكسب العقول والقلوب. لكن هذا لم يتحقق رغم إنفاق عشرات المليارات التي جمعت في مؤتمرات دولية «من أجل إعمار أفغانستان»، وهناك حديث عن فساد إداري في الحكومة الأفغانية، وفشل كبير في تنظيم انتخابات ذات مصداقية سواء في الانتخابات الرئاسية أو الانتخابات التشريعية الأخيرة، الأمر الذي زاد الوضع الأفغاني سوءا وتعقيدا بتبخر وعود الإعمار والديمقراطية.
ويبدو أن هذا الواقع هو ما دفع الإدارة الأميركية دفعا إلى الموافقة على ما كان يطالب به مسؤولون بريطانيون عسكريون ومدنيون حتى خلال أيام إدارة بوش الابن نظرا لمعرفتهم وتجربتهم التاريخية في أفغانستان، وهو فتح قنوات التفاوض مع حركة «طالبان» وتحديدا مع من لديهم الاستعداد لترك السلاح والدخول للعملية السياسية، وفي هذا السياق قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية بي جيه كراولي، الأربعاء الماضي: «إلى تلك العناصر التي هي على استعداد لقبول القواعد المشتركة للحكومة الأفغانية والشعب الأفغاني والمجتمع الدولي.. إننا ندعم هذه العملية»، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لا تشارك في التفاوض على اعتبار أن الأمر يجب أن يكون في نهاية الأمر ترتيبا من جانب الحكومة الأفغانية.
وحسب تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» فقد بدأت بالفعل محادثات سرية على مستوى رفيع بين حركة «طالبان» بموافقة زعيمها الملا عمر وحكومة كرزاي لوضع حد للحرب بواسطة التفاوض الذي سيشمل حسب التقرير نفسه منح قادة من «طالبان» مناصب في الحكومة وانسحاب القوات التابعة للولايات المتحدة ودول أخرى في الحلف الأطلسي.
ويبقى السؤال: هل ستمضي الإدارة الأميركية في خطوة مباركة المفاوضات مع حركة «طالبان» وربما حتى مع شبكة حقاني حسب إفادة صحيفة «الغارديان» البريطانية أمس، والمشاركة فيها بشكل من الأشكال والسير في هذا الطريق حتى النهاية، أم أن الحسابات السياسية الداخلية والرهانات الانتخابية ستجعلها تكتفي بتقديم الدعم فقط وجس النبض، حتى إذا لم تنجح المحاولة تجد نفسها في حِلٍّ من أي التزام سياسي وتُواصل استراتيجيتها بدون تغيير يذكر. وبعيدا عن لغة الحسابات وخيارات السياسيين داخل الإدارة الأميركية أو المعارضة، فإن تحليلات الخبراء والمراقبين وحتى سياسيين بمن فيهم خبراء وسياسيون أميركيون، تؤكد أن الحرب لن تحل المشكلة في أفغانستان مهما طالت مدتها بما لها من تداعيات مالية على ميزانية الدولة الأميركية، فهل سيتحمل دافعو الضرائب في الولايات المتحدة هذه التداعيات ويوافقون على الاستمرار في تلك الحرب، أم أنهم سئموا منها وباتوا يعارضونها أكثر من أي وقت مضى ويتوقون لنهاية قريبة لها؟
أعتقد أن الانتخابات النصفية للكونغرس المقبلة قد تقدم إجابات على هذا السؤال.