مشرّف وحلم العودة للسلطة
5 أكتوبر 2010
|
قبل موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة بعامين اختار الرئيس السابق لباكستان برفيز مشرّف، أن يعلن من لندن -مقر إقامته- عودته للمشهد السياسي الباكستاني من خلال إطلاق حزب سياسي جديد «الرابطة الإسلامية لعموم باكستان».
ويظهر أن مشرّف الجنرال السابق اختار بعناية دقيقة توقيت إعلانه حركته السياسية بحيث تزامن مع عدد من المعطيات التي اعتقد أنها ربما تخدمه، ومن شأنها أن تسمح له بإيجاد مكان في المعترك السياسي الباكستاني نذكر منها:
- الاستياء الكبير للشعب الباكستاني من الحكومة الحالية ومن الرئيس آصف علي زرداري، بسبب سوء الوضع الاجتماعي والاقتصادي لشرائح واسعة.
- سوء تدبير الحكومة الباكستانية لتداعيات الفيضانات التي خلفت خسائر كبيرة، وهذا ما يفسر وصفه الحكومة بـ «الفاسدة» والعاجزة عن الاستجابة للتحديات المطروحة على البلد، وقوله: «إنني لا أرى أية أحزاب سياسية هناك حاليا لديها القدرة على إعادة البلاد إلى النور مرة أخرى».
وأكثر من ذلك، فقد وعد بأن يكون حزبه «حزب إنقاذ» قائلاً: «أعتقد أنني قادر على إضاءة هذه الظلمة».
- تنامي الخلاف بين المؤسسة السياسية (الرئاسة والحكومة) والمؤسسة العسكرية سواء فيما يخص تدبير الملف الأمني (محاربة المسلحين والمتشددين والتعامل مع ضغوط الإدارة الأميركية) أو الملف الاجتماعي، خاصة بعد الفيضانات التي اجتاحت جزءا من البلاد مؤخرا.
- الوضع السيئ لحزب الشعب الباكستاني وخلافاته مع عدد من الأحزاب السياسية منها حزب نواز شريف والجماعة الإسلامية.
لكن هذه المعطيات لا تعني بأن الطريق مفروش أمام مشرف بالورود، خاصة أنه سيواجه في حالة العودة محاكمة بتهمة الخيانة العظمى، فضلا عن أن إعلان مشرف استعداده للانتخابات المقبلة وجعلها بوابة الرجوع للبلد لم تشكل سابقة في باكستان، فقد سبقته إليها زعيمة حزب الشعب الراحلة بينازير بوتو، وغريمه زعيم الرابطة الإسلامية نواز شريف، ولا يختلف عنهما إلا في كونه جنرالا سابقا، مما يطرح السؤال: هل لدى مشرف وعود أو إشارات سواء من جهات داخل باكستان أو من جهات خارجية ساعدت أو ربما تعمل على عقد صفقة معينة تسمح بهذه العودة كما حصل مع الزعيمين المذكورين مع اختلاف الحيثيات والظروف، الأمر الذي جعله يقول: «أياً تكن الأخطار والعقبات سأكون في باكستان قبل الانتخابات المقبلة».
ولئن كان الجواب على هذا السؤال رهيناً بما ستعرفه باكستان من تطورات وحراك خلال العامين الفاصلين عن موعد الانتخابات، فإن الخرجات الإعلامية للرئيس الباكستاني السابق توضح أنه يسعى لاستمالة الشعب الباكستاني أولاً من خلال تقديمه اعتذاراً عن ارتكابه أخطاء في السلطة بقوله: «أدرك أنني اتخذت بعض القرارات التي أدت إلى انعكاسات سلبية… أنتهز الفرصة (لحظة الإعلان عن حزبه) لأعتذر بصدق. تعلمت دروساً من هذه الأخطاء وإنني على ثقة بأنني لن أكررها»، فضلا عن تأكيده على أنه سيقوم في حال عودته للسلطة «بإطلاق الجهاد ضد الفقر والأمية والجوع والتخلف» وتخليص البلد من خطر الفساد والتطرف.
وثانياً من خلال التودد للمؤسسة العسكرية، حيث اعتبر في حديث لـ «بي.بي.سي» أن الجيش هو الملاذ الأخير للشعب الباكستاني المحبط من حكومته، وأنه القادر على إنقاذ البلاد من خطر التفكك بقوله إن «الجيش يمكنه ضمان ذلك، هل يستطيع أحد غيره تحقيق ذلك؟ لا أحد».
لكن بالمقابل العودة المحتملة لمشرف ستدفع في اتجاه تضييق شقة الخلاف بين حزب الشعب وحزب الرابطة جناح نواز شريف، وهما حزبان لهما قاعدة شعبية كبيرة، وستضطرهما حركة الجنرال السابق إلى التحالف ومعالجة خلافاتهما والمسارعة لإعادة النظر في العمل الحكومي وتدارك الاختلالات وغيرها من الإجراءات لتفادي الغضب والاستياء الشعبي، فضلا عن السعي -خاصة من طرف نواز شريف- لنيل مؤازرة الحركات الحقوقية والجمعوية وفئة عريضة من القضاة والمحامين الذين خاضوا ضد مشرف حربا ضروسا وكانت عاملا كبيرا في مغادرته السلطة.
باختصار، يصعب في عالم السياسة الجزم وطرح سيناريو معيّن لسير الأمور، لأن المواقف السياسية تتبع المصالح والحسابات وأحيانا كثيرة الصفقات وتداخل العوامل الداخلية بالاعتبارات الخارجية، فيصير حال المواقف كحال الكثبان الرملية تبيت في مكان وتصبح في مكان آخر، وخلال العامين الفاصلين عن الانتخابات البرلمانية بباكستان ربما تتأكد معطيات استحالة حلم مشرف بالعودة للسلطة، وربما تتولد معطيات تيسر له ذلك، فكل شيء ممكن في عالم السياسة.
|
| |
Like this:
Be the first to like this post.
Posted by محمد عيادي
داخل غير مصنف