هل يفعلها عباس؟

29 سبتمبر 2010

قليل هم الواهمون الذين علقوا أملاً على إمكانية نجاح المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ووجود رغبة حقيقية لدى رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تحقيق السلام، ووجود شروط معقولة لذلك، وكثيرون كانوا متأكدين -بما فيهم إسرائيليون- من أن هذه الأوهام ستتكسر على صخرة الاستيطان.
وأكثر من ذلك وبُعيد إطلاق المفاوضات بواشنطن، كتبت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية في نهاية الأسبوع الأول من الشهر الجاري أن كثيراً من الإسرائيليين يشعرون أن نتنياهو «ينصب» على أبومازن والعرب حينما قال لمقربين منه في واشنطن: إنه سيقدم تسهيلات في المفاوضات من قبيل تفكيك بعض المستوطنات وانسحاب من أخرى، كما اعتبرت الصحيفة أن حديث الرئيس الأميركي أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون عن القيام بجهود لإقناع إسرائيل لتقديم تنازلات حديث هزلي لا يمكن أن يؤخذ على محمل الجد لسببين أساسيين: الأول ديني؛ لأن غالبية الإسرائيليين يؤمنون بالحق التاريخي والديني في بناء المستوطنات. والثاني سياسي؛ لأن الأحزاب الدينية واليمينية المتطرفة تشكل قلب الحكومة وأطرافها الرئيسة، ويمكن أن تشل حركة نتنياهو وتعطلها إن هو خضع سواء للضغوطات العربية أو الأميركية بشأن الاستمرار في تجميد الاستيطان، مشيرة إلى أنه لا يملك شجاعة مناحيم بيغن في تفكيك مستوطنات سيناء، ولا آرييل شارون في الانسحاب من غزة، لتخلص «معاريف» إلى أن المفاوضات ستفشل. والحقيقة أن «نصب» نتنياهو على عباس والعرب لم يكن فقط للعوامل الإسرائيلية الداخلية فقط، بل لوجود عاملين خارجيين آخرين حاسمين يعرفهما الجميع نذكرهما من باب التذكير، الأول: معرفة الإسرائيليين بضعف القوة التمثيلية للمفاوض الفلسطيني، وعدم امتلاكه لأوراق ضغط ولا هامش للمناورة، وسرعة تراجعه عن «لاءاته» وآخر مثال على ذلك، أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خيّر إسرائيل أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بين الاستيطان والسلام، وهدد بالانسحاب من المفاوضات، رافضا أية تسوية لا تضمن توقفا كاملا للاستيطان، وقال عباس لممثلي الجالية الفلسطينية في نيويورك: «قلنا لإسرائيل وللإدارة الأميركية: لن تستمر المفاوضات إذا لم يوقف الاستيطان، وأنا أقول كلمة واحدة: إذا لم يوقف الاستيطان ستوقف المفاوضات». لكنه سرعان ما تنازل عن هذا الشرط وطالب من نتنياهو تمديد العمل بتجميد الاستيطان لثلاثة أو أربعة أشهر لإعطاء فرصة لمفاوضات السلام حسب تعبيره.
أما العامل الخارجي الثاني: فهو موقف الإدارة الأميركية غير الحازم من التلكؤ الإسرائيلي، واستغلال نتنياهو للظرفية السياسية الحساسة التي يمر بها الرئيس أوباما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، الأمر الذي جعل إدارته تعبر عن مجرد الأسف والقلق لرفض حكومة الكيان الإسرائيلي بقوة الدعوات الدولية لتجميد الاستيطان، رغم أن الموقف الإسرائيلي يضر بهيبتها وبمصداقية وساطتها.
ونتنياهو يستطيع «مقاومة» ضغوط واشنطن والضغوط الدولية، لكنه عاجز عن تحمل ضغوط الداخل، خاصة الأطراف المشكلة لحكومته ومطالب المستوطنين (وقوده الانتخابي) باستمرار الاستيطان من دون هوادة وبشكل شامل، ولا يقتصر الأمر على هذا فحسب بل مواصلة سياسة طرد الفلسطينيين من بيوتهم بالقدس، وليس من باب الصدفة أن يتزامن قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بالسماح للجمعيات الاستيطانية اليمينية في القدس المحتلة بتشريد عشرات العائلات المقدسية من بيوتها بحي الشيخ جراح مع عودة النشاط الاستيطاني.
باختصار شديد، إن تعبير الأمين العام للأمم المتحدة عن إحباطه من المواقف الإسرائيلية واستئناف النشاط الاستيطاني المخالف للقانون الدولي، واستياء الاتحاد الأوروبي وأسف واشنطن وقلق موسكو لن يغير من واقع الاحتلال الإسرائيلي شيئاً، ولن يوقف الأطماع الصهيونية ومخططاتها؛ لأن كل العوامل الداخلية والخارجية تخدم الكيان الإسرائيلي، وهو يتصرف بناءً على هذا الأساس، والاستمرار في المفاوضات في هذه الظروف انتحار حقيقي.
وبإمكان رئيس السلطة الفلسطينية تفادي هذا الانتحار بأن يعطي الكلمة للشعب الفلسطيني، ويستمع لمختلف فصائله سواء في شكل استفتاء أو غيره من الآليات التواصلية والاستشارية، ذلك أن قوة المفاوض الفلسطيني رهينة بمعطيات الداخل قبل معطيات الخارج، ومعروف أن القوة الدبلوماسية والتفاوضية لأي طرف تنبع من قوة جبهته الداخلية وسلامة ومتانة وضعه الداخلي.
وللأسف استغل قادة الكيان الإسرائيلي حالة الانقسام الفلسطيني وأسهموا بطرق مختلفة في تعميق هذا الانقسام الذي يحتاج لوساطة عربية محايدة قادرة على لم الشمل الفلسطيني على قواسم مشتركة وبرنامج عمل وطني.
فهل يفعلها رئيس السلطة الفلسطينية عباس أبومازن ويفاجئ الجميع ويعلن انسحابه من المفاوضات بعد عدم الوفاء بشرطه إيقاف الاستيطان ويعطي الكلمة الأخيرة للشعب الفلسطيني؟ أم أن دخول المفاوضات ليس كالخروج منها؟

 

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.