ازدواجية معايير أم حالة انفصام؟
19 سبتمبر 2010
|
يريد الغرب بقيادة الولايات المتحدة أن يقنعنا في العالم العربي والإسلامي بأنه يخاف على الأمن في الشرق الأوسط، ولذلك سارع لمضاعفة العقوبات على إيران عبر مجلس الأمن للاشتباه في وجود أهداف عسكرية لبرنامجها النووي، وأكثر من ذلك فرض الغرب (أميركا والاتحاد الأوروبي) بشكل انفرادي عقوبات أخرى على طهران.
لكن هذا الغرب لا يلتزم بنفس القناعة ويقلب المعطف ويغير لغته عندما يتعلق الأمر بالكيان الإسرائيلي الذي لا يملك مجرد مشروع نووي ذي أهداف عسكرية، بل إن تقارير إعلامية أكدت امتلاكه رؤوساً نووية. ويهبّ الغرب هبة رجل واحد للدفاع عن هذا الكيان والحيلولة دون مجرد انتقاد له أو فتح نقاش حوله داخل مؤتمر الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي سينطلق غداً الاثنين، وسعى سفراء كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للضغط على المجموعة العربية لعدم الإصرار على طرح بند قدرات إسرائيل النووية على جدول أعمال مجلس المحافظين والمؤتمر العام للوكالة، ودعوة الكيان المذكور للتوقيع على معاهدة الحد من الانتشار النووي لجعل الشرق الأوسط خاليا من السلاح النووي، وفتح منشآته للتفتيش، وذلك بحجة أن مشروع قرار المجموعة العربية سيضر بجهود واشنطن لإقناع الكيان العبري بالمشاركة في المؤتمر الذي سيعقد سنة 2012 حول جعل الشرق الأوسط خالياً من أسلحة الدمار الشامل، كما أنه قد يؤثر سلبا على محادثات سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهي الحجة نفسها التي قدمها عدد من سفراء الاتحاد الأوروبي لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ويبدو أن الضغط آتَى أكله على الأمين العام للوكالة يوكيا أمانو فقد خلا تقريره الأخير من الإشارة إلى رفض إسرائيل المتكرر الانضمام لمعاهدة عدم الانتشار النووي وإخضاع منشآتها النووية لرقابة مفتشي الوكالة، ولم يقدم معطيات على القدرات النووية الإسرائيلية.
في الحقيقة وصف هذا الموقف الغربي بازدواجية المعايير لا يفي بالغرض ولا يصور الوضع على حقيقته، إنها حالة واضحة من الانفصام، واستخفاف فاضح ليس فقط بالعقل العربي والإسلامي بل بالعقل الإنساني، وضحك على الذقون، فأي سلام هذا الذي يتحدثون عنه مع كيان له تاريخ دموي لم يتردد في استعمال أسلحة محرمة دوليا مع شعب أعزل في غزة، ولن يتردد في استعمال ما هو أخطر منه لأجل تحقيق مصالحه ومشروعه الاحتلالي.
المنطق السليم يقتضي أن يكون انضمام الكيان الإسرائيلي للمعاهدة الدولية لعدم الانتشار النووي، وإخضاع منشآته النووية للتفتيش الدوري من طرف الوكالة الدولية المعنية، من بين المؤشرات على «حسن النية» ورغبته في سلام عادل ومنطقة آمنة وليس العكس، فهو الطرف الأقوى -بدعم الغرب- في المعادلة.
المجموعة العربية تبذل مجهودات مقدرة، ولم تتراجع حتى كتابة هذه السطور عن قرارها بطرح بند القدرات النووية الإسرائيلية على مؤتمر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وثباتها على موقفها ورفض كل الضغوط سيشكل معركة حقيقية ضد هذا الدلال الكبير الذي يحظى به الكيان الإسرائيلي على حساب قيم العدل والإنصاف وتوفير شروط الأمن الحقيقي بالمنطقة.
لا أمن في الشرق الأوسط بوجود كيان وسطه يمتلك ترسانة نووية فضلاً عن قدرات عسكرية كبيرة، وينطلق في قراراته من خلفية دينية متطرفة تشرعنها وتجعلها وجهاً من أوجه الممارسة الدينية، وفي هذا السياق يندرج إصرار رئيس حكومة الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على شرط الاعتراف بإسرائيل كياناً للشعب اليهودي كشرط لنجاح المفاوضات مع الفلسطينيين، وليس أخطر على المنطقة من اجتماع القدرات النووية وتحكم منطق ديني طائفي في كيان تؤمن شريحة معتبرة داخله وداخل حكومته بأنه «شعب الله المختار».
|
| |
Like this:
Be the first to like this post.
Posted by محمد عيادي
داخل غير مصنف